ابن الجوزي

49

كشف المشكل من حديث الصحيحين

تأخرت إلى هذه الساعة ، وكذلك قوله : والوضوء أيضا ؟ أي كيف اقتصرت على الوضوء دون الغسل . وأراد منه استعمال الفضائل . وفي هذا الحديث من الفقه : أن غسل الجمعة ليس بواجب ؛ لأنه لو كان واجبا لما تركه عثمان ، ولأمره به عمر ، فلما سكت عن أمره بذلك بمحضر الصحابة دل على أنه مسنون ( 1 ) . وفيه أن للإمام أن يتكلم في الخطبة . 20 / 20 - وفي الحديث الثاني : كان رسول الله يعطيني العطاء فأقول : أعطه من هو أفقر إليه مني . فقال : « خذه ، وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف له ولا سائل فخذه ، ومالا فلا تتبعه نفسك » ( 2 ) . المشرف والمستشرف على الشيء : المتطلع إليه الطامع فيه ، ومتى طمعت النفس في شيء فحصل لها عادت فاستعملت آلات الفكر في الطمع ، فإذا وقع عندها اليأس من ذلك بالعزم على الترك ، رأت أن الاستشراف لا يفيدها صرفت الفكر إلى غير ذلك ، وإذا جاء الشيء لا عن استشراف قل فيه نصيب الهوى ، وتمحض تعلق القلب بالمسبب . وقال علي بن عقيل : معنى الحديث : ما جاء بمسألتك فإنك اكتسبت فيه الطلب والسؤال ، ولعل المسؤول استحيا أو خاف ردك فأعطاك مصانعة ، ولا خير في مال خرج لا عن طيب نفس ، وما استشرفت إليه نفسك فقد انتظرته وارتقبته ، فلنفسك فيه نوع استدعاء ، وما جاء من غير ذلك فإنما كان المزعج فيه للقلوب نحوك ، والمستسعي للإقدام

--> ( 1 ) ينظر « البدائع » ( 1 / 269 ) ، و « المغني » ( 3 / 224 ) و « المجموع » ( 4 / 532 ) ، و « الجواهر » ( 1 / 97 ) . ( 2 ) البخاري ( 1473 ) ، ومسلم ( 1045 ) .